في المركب نُولد ولكننا لا نُولد بغير الحب…
فلا شيء يمكنه أن يمنحننا الحياة سوى الحب…
فمع أننا نُولد من خلال حب الآخرين، فأن الحب هذا أيضاً هو من يأمرهم أن يرسلونا بعيداً كان أو قريباً، فلو حاولوا تملكنا لمات هذا الحب ومتنا نحن وفقدنا الحياة التي ولدنا لها.
عجيب هو سر هذا الحب فهو يولدنا للحياة ولكنه يميتنا لو حاول الاحتفاظ بنا، فليس له ألا أن يرسلنا لنظل أحياء كما ولدنا.
في المركب نلتقي أشخاص صامتين أحياناً، صارخين أحياناً أخرى، هادئين أحياناً ومضطربين أحياناً أخرى، ولكنهم أحراراً حقاً…فهم يدعونا لأن نحبهم دون حرج، يدعونا أن ندخل معهم لعمق الحياة رغم بساطتهم…
رغم آلامهم الكثيرة وحدودهم الكثيرة، فأن حبهم هذا يفرحنا أكثر من آي شيء وقد يكون هو مصدر فرحنا الحقيقي الوحيد.
عجيب هم سر هذا الحب فأنه يجعل الفرح يتجلى حتى في وسط أعتى الآلام صعوبة.
في المركب نلتقي أشخاص، بسبب معروف أو غير معروف نشعر وكآن شيء ما يدعونا لنخوض في أعماقهم ولنفتح لهم أبوابنا المغلقة ليخوضوا هم في أعماقنا. ومن هنا تبدأ المسيرة، لكن مسيرة الصداقة تلك، ليست دائماً بالمسيرة السهلة ولكن يملئها الكثير من الصعوبات والآلام…
ففيها نكتشف جروحنا، ضعفاتنا، حدودنا، انغلاقنا، أنانيتنا….
ولكن في كل هذا وبفعل الحب نستطيع حقاً أن ننمو. نستطيع أن ننمو من خلال هؤلاء الأشخاص الذين يعطونا الأمان لنكون على حقيقتنا، نستطيع أن ننمو من خلال هؤلاء الأشخاص الذين يفهمونا في صمتنا أكثر من كلامنا، نستطيع أن ننمو لأننا نختار أن ننمو سوياً…
عجيب هو سر هذا الحب فله القدرة أن يحطم أسوارنا، ويتحدى حدودنا ويجعلنا ننمو مع الآخرين وبهم ومن خلال ضعفنا وجروحنا أيضاً.
في المركب أشخاص لا نلتقيهم ولكننا نبحث عنهم أو قد نلتقيهم قبل أن نبحث عنهم…
نبحث عنهم في بحثنا عن إجابات، عن معنى، عن حياة، بل بالأكثر في بحثنا عن ذواتنا…
وعندما نجدهم نعطيهم سلطة خاصة على قلوبنا، ولكن أذا أغرتهم تلك السلطة لقيدونا بل وأماتونا وجعلونا نغرق في ذات أخرى غير ذواتنا.
ولكن الحب يدعوهم لتحريرنا، يحررونا بخروجهم من تاريخهم ليدخلوا في تاريخنا نحن، يحررونا بخروجهم من ذواتهم ليدخلوا في ذواتنا، ويحررونا أكثر ما يحررونا بحياتهم التي تنطق في كل لحظة بالمعنى، بالقيمة، بالحياة، وبالحب.
عجيب هو سر هذا الحب الذي يتجلى عندما نتخلى عن ذواتنا لنتحرر ونحرر الآخرين.
في المركب نلتقي أشخاص يبدو لنا وكأنهم أبعد ما يكونوا عنا وكأننا ليس لنا أن نتشارك سوياً وأن تشاركنا فلن يخلوا هذا من نزاع…فأشكالنا مختلفة، أفكارنا قد تتناقض، منهجيتنا متباعدةٌ…
ولكن في وسط كل هذا تستطيع قلوبنا وقلوبهم أن تتجمع، بل وتتوحد، نتوحد بتلك القوة الغريبة التي تسكن قلوبنا وقلوبهم وهي الحب. فللحب أن يخترق كل الحواجز والجدران…
وقد تظل لقاءاتنا معهم قليلة ومتباعدة ولكنها تظل عميقة وحقيقية، وبل وأحياناً أكثر عمقاً وصدقاً من هؤلاء الذين يشبهوننا…
عجيب هو سر هذا الحب الذي يوحدنا في لحظات قصار مهما أختلفت أشكالنا، أفكارنا، أو منهجيتنا…
في المركب نلتقي أشخاص، يسألونا أن نقودهم أحياناً، أو أن نرشدهم أحياناً أخرى، أو أن نعلمهم أحياناً أخرى… وقد نقودهم فعلاً أو نرشدهم أو نعلمهم و لكن يظل كل هذا قيد الصواب والخطاء…
ولكن يظل شيء واحد هو الإجابة الحقيقية لكل من يأتونا سائلين، وحائرين، وهو أن نحبهم، أن نحبهم ذلك الحب الذي يثق فيهم وفي الكنز المخفي بداخلهم، ذلك الكنز المدعو ليلمع ويتلألآ أمام الجميع….
عجيب هو سر هذا الحب فليس له جواب لتساؤلات من حولنا سوى الثقة في ذواتهم هم.
ويظل هذا الحب العجيب يدعونا لأبعد، حتى أنه قد يدعونا لأن نقتلع من جزورنا. ناشداً مزيد من الحب…




