رسالة أكتبها ولكني لست أعلم لمن أكتبها، هل أكتبها لي أم لك، أم أني أكتبها لتقرءاها السماء. ولكني سوف أكتبها، أكتبها لأعلن عما يدور بقلبي، لأعلن بقلمي ما عجز لساني عن نطقه، هناك الكثير لأكتبه، ولكني لست أعلم أن كنت سأقوى على كتابته كله أم أن كلماتي وعقلي سوف يعجزان عن الفهم والتعبير عما بداخلي.
في البدء كان هناك طريق ونحن التقينا على الطريق، لم نختار أن نلتقي ولكننا اختارنا بإرادتنا أو بالأحرى بغير أرادتنا أن نتابع المسير سوياً. كنت أنوي أن أحكي عن كلمات، لمسات، نظرات… كنت أنوي أن أحكي عن أذن أصغت، فم تكلم، وقلب صلى… ولو تكلمت عنهما لذكرت كلمات دفعت، غفران أدمع عيني، حب حرر ضعفي… ولكني لست هنا لأتكلم عن هذا أو ذاك…
أنا هنا لأتكلم عن عين نظرت، تلك العين كانت عيني أنا، نظرت في كل مكان وإلى كل تجاه، تلك العين حارت وتاهت، بل والأصعب أنها كثيراً ما قويت حتى أن تختار إلى أين تنظر.
فكانت تارةً تنظر إلى ذاتها، آ ولم يكن للعين أن تنظر إلى مسكنها؟!… ولكنها كلما نظرت إلى ذاتها اضطربت، حزنت، طلبت المزيد… تخيلت، حبكت، حكمت عليك… فكرت، قررت، وجرحتك بأنظارها… ولكني أعود فأقول ما كان لتلك العين أن تختار أن تنظر لذاتها، فما أدركت أنها تنظر لذاتها، وحتى عندما أدركت لم يكن لها كل السلطان على نفسها.
وتارةً أخرى نظرت نحوك، ثبتت نظرها عليك، تأملتك ملياً، وعندها ظنت أن نظراتها توجهت للحقيقة، للحياة، للفرح… ولكن سرعان ما تحول الفرح لكآبة، كآبة تطحنا تحت أقدام العجز، العجز من أن نفعل شيء، من نلغي الألم، من أن ندخل إلى عمق أعماقنا. تطحنا تحت أقدام الخوف، الخوف من الفقدان، الخوف من النهاية. تطحنا أيضاً تحت أقدام حدودنا، أليست أجسادنا تلك محدودة؟!.. أليست قلوبنا تلك مأثورة بداخلنا؟!… أليست تصرفاتنا حتى غير مضمونة؟!…
وفجأة وبدون سبب منطقي أو حقيقي آذ بقوة عجيبة وغريبة تجذب أنظارها لأعلى لتنظر السماء حيث تشرق الشمس، وتتلألآ النجوم، و يسطع القمر… وهنا اختبرت فرح غير كل فرح، حب غير كل حب، حرية غير كل حرية. قد تظن وكآن تلك نظرة أبعدتنا أكثر ولكنها بالأحرى وحدتنا أكثر، ألم تتغلب تلك النظرة على أنانيتنا، أطماعنا، مخاوفنا، حدودنا… أليست تلك النظرة التي وحدتنا خارج حدود الزمان والمكان…قد ألمحك بطرف عيني وأنا أنظر وقد لا ألمحك، لكنك تظل هناك واقفاً ليوحدنا ما هو بعيداً عنا ولكنه يسكن في مكان ما بداخلنا، يوحدنا موضع نظرنا، لندخل في سر عجيب وجديد، سر غريب في منطقه. سر يدعونا للمزيد…
أود أن أعترف هنا أني حتى الآن لا أقوى على التحكم بنظري، ولكني أسأل السماء ضارعاً أن تجذب عيني إليها حتى الانقضاء، لا أثق في ذاتي ولكني أثق بتلك السماء المبهرة.
لم يفرغ بعد قلبي من كتابة رسالته، ولكنه يتمخض حتى يلد الكلمات.
قد تتشابك أيدينا في لحظات، وقد تتفارق للحظات أخرى، قد تسمع أذاننا همسات أفواهنا وقلوبنا وقد لا تسمعها، قد أختار الصمت جبراً أو رغبةً، قد أختار البعد راغباً أو كارهاً، ولكن في كل ذلك تظل السماء توحدنا وتجمعنا، لن تجمعنا بصلاتنا كلمن لأجل الأخر ولكنها ستجمعنا بنظرتنا نحو السماء، نحو مصدر الحياة وسرها، وأظل في كل أفعالي الحرة راغباً أن أخوض غمار تلك السماء أبعد وأبعد…
هل يمكن لقلب أن ينسى علامات خلقها الحب بداخله، ولكن حتى هذا لا شيء في سر لقائنا العجيب، فتلك النظرة الغريبة هي سرنا مهما اختلف مظهر طرقنا، فتلك النظرة أسمى من كل رغبة، أو شعور، أو فكر، تلك نظرة أقوى، تحرر كل من يشتركون فيها، فيكونون أحراراً تجاه رفاقهم، قبل أن يكون تجاه ذواتهم.
هذا الطريق الذي جمعنا سيظل يجمعنا حتى المنتهى، سيجمعنا ويجمع غيرنا الكثيرين، لا أثق فيك ولا أثق في ذاتي، ولكني أثق في السماء، في السماء التي تعمل في رغبات قلوبنا الضعيفة والمترددة والحائرة والمتألمة، أثق في وعود السماء أنها لن تترك من نظر نحوها يوماً وأشتاق لرؤيتها ثانية وحتى المنتهى، أنها حتى لا تترك من لم ينظر نحوها قط.
فلتكن رسالتي تلك منارة لي على الطريق، شاهد لك عما بقلبي، اعترافاً تقرءاه السماء علناً…