نظرت لأعلى ومن حولي وأنا ساقط على الأرض لا أقوى على القيام، وإذ بعواصف تهب من عن شمالي وسيول تهطل من فوقي و زلزلة تزعزع الأرض من تحتي. كل هذا وأنا لا أقوى على الحراك وكأن السقطة كانت أقوى من كل قوى الطبيعة في غضبها.
    وفجأة حل هدوء تدريجي، فنهضت بنصفي الأعلى جالساً على بقعة الأرض التي سقط عندها، لأرى…لا لا أرى، أسمع…لا لا أيضاً لا أسمع، أشعر…لعلني بالفعل أشعر، ولكنه حتى شيئاً أعمق من الشعور. أشعر وكأن نسيم عليل أتياً من بعيد، ,أخذاً في الاقتراب، وبدا هذا النسيم وكأنه إنسان، أجمل من كل البشر الذين رأيتهم من قبل، في الحقيقية أنا لم أراه، لكنه ظل أجملهم. بدء يتكلم بكلمات لا تستطيع أذني أن تسمعها، ولكن قلبي أدركها.

         النسيم: لماذا أنت مطروح على الأرض هكذا؟
         أنا (ترددت أن أجيب ولكن جماله الذي لم أراه يعبني وعزوبة صوته التي لم أسمعها بأذني، دفعتني للإجابة لأواصل الحديث معه): لقد سقط.
         النسيم (وهو يمد يده نحوي): فلتقم إذن.
         أنا (أجيبه دون أن أمد يدي): لا أقوى على النهوض، لعلى أيضاّ أخشى النهوض خوفاً من السقوط ثانيةً.
         النسيم (ويده مازالت ممدودة): لا تخف، ثق في.

    رغم أنه كان وكأنه لقائنا الأول لكني كنت أشعر بثقة غريبة في كلماته، فمددت يدي نحوه وشعرت وكأن فيض من الحياة يغمرني ويملئ كياني كله، شعرت بقوة جديدة لم أختبرها من قبل ووجدت نفسي وكأني ولدت من جديد، كأن إنسان أكبر، أو بالأحرى أقوى، لا ولكنه أكثر حياة وحب من الذي كنت أنا عليه من قبل.

        أنا: أني أشعر بشيء غريب يغمرني، كأنها قوة لم أعتادها من قبل، لكني لازلت أخشى السقوط.
        النسيم: لا تخف، أنت أقوى من أن تسقط.

    أمنت بكلماته وشعرت فعلاً بتلك القوة التي جعلتني أواصل المسير دون خوف من السقوط. واستمرت الحياة وبدئت أشعر أحياناً بالضعف وأحياناً أخرى بالقوة، ترددت كثيراً على المكان حيث سقط وكدت أن أسقط ولكن خوفي من أكون ساقطاً ثانية، خوفي من يراني هذا النسيم ثانية وأنا ساقط كان يمنعني من السقوط.

    ولكن في أحدى المرات وبدون أن أدرك أو بإدراكي لا أعلم، ولكنها كانت لحظة مثل تلك اللحظات التي تشعر وكأنك نسيت كل ما عرفته من قبل. في تلك اللحظة سقط في نفس البقعة حيث سقط قبلاً. سقوطي كان بإرادتي ولكن في ذات الوقت لم يكن بإرادتي، خطوت وأنا أعلم أني سوف أسقط، في ذات الوقت لم أستطع منع نفسي من أن أخطو نحو الأمام.

    وتكررت كل الأعاصير والسيول والزلازل. ولم يكن كل هذا ليحركني ولكن كل ما كنت أخشاه أن هذا النسيم يأتي ثانية، كنت أخشى أن يراني ساقطاً، كنت أخشى أن أعلن له عن فشلي وضعفي، كنت أخشى رقته، أكثر من عنفه…كنت أشعر كأني ضئيل جداً وأحقر من أنظر إلى ذاتي، كنت أنظر بعيداً حتى لا أرى نفسي.

    ولكن ما أخشاه حدث، وشعرت ذات الشعور الذي شعرت به من قبل عندما بدء النسيم يهب، وتجسد أمامي أو لعله بداخلي بذات الصورة التي تجسد فيها من قبل، تلك الصورة التي لم أراها بعيني، ولكن هيأته تلك مرة بدا عليها حنو، عطف، ورقة أعمق مما رأيته المرة السابقة، كان يبدو قوياً المرة السابقة ومنتصراً أكثر منه عطوف وحنون، سابقاً كان وكأنه قائد يحفز جنوده، ولكنه بدا لي تلك المرة وكأنه أب بقلب أم حنون ومحب. وبدئت أسمع تلك الكلمات التي لم أسمعها بأذني.

        النسيم (وهو يقترب مني كأنه يريد أن يحتضنني): تبدو مجروح ومتألم.
        أنا (وكأني أردت أن أهرب من أخبره عن سقوطي، فحولت هروبي هذا إلى غضب ولوم شديد في كلامات قاصية): تتكلم وكأنك لا تعرف سر سقوطي، ألا يبدو علي أني سقطت في ذات البقعة، ألم تقل أني أقوى من أن أسقط، لم أكن أعلم أنك تكذب، لماذا اقمتني في المرة الماضية، لو لم تقيمني لكنت تجنبت آلام السقوط.

    صمت النسيم للحظات وبدا أنه يريد أن يبكي. ثم قال بصوت لا أستطيع وصفه بكلماتي هنا ولكنه لازال يرن في قلبي بنفس الصوت:

“أنا أحبك.”

    وفي تلك اللحظة حل صمت مثل صمت الصحراء التي لا يتحرك فيها الهواء. ظللت هكذا للحظات، دقائق، أو ساعات لا أعلم… خرجت من ذلك مثل إنسان نائم يستيقظ أو بالأحرى فاقد للوعي متغيب عن العالم يعود للحياة ثانية. وبدئت أشعر وكأني لم أشعر من قبل.

    منذ ذلك اليوم لم أعد أخشى السقوط، لم يعد للسقوط سلطان علي، وحتى وأن سقطت، فأنا حر أمامه، لأن السقوط لم يعد يميتني مثلما أعتاد أن يميتني، وكأن شوكته أنكسرت، حتى أنه أصبح يفارقني كثيراً وصرت أشعر بقوة غير القوة التي اعتدتها، فهي ليست قوة محارب، بل بالأحرى قوة منتصر، قوة من لا يعبئ بجراح السقوط، قوة من يثق في حب من أحبه حتى المنتهى.

“لا تشمتي بي يا عدوتي فأني أن سقطت أقوم.”