لدي مسيرتي الخاصة مع الصيام والتي على ما أعتقد أنها لم تكتمل بعد لأني لم أصل بعد إلى مرحلة الحرية والتوازن التي أسعى لها. أرى الصيام من عدة محاور وعلى أكثر من مستوى مما يجعلني دائماً أشعر بأني لم أستطيع أن أعيش الصيام بشكله الحقيقي والكامل. سوف أسرد هنا منظوري عن الصيام في نقاط قد تكون متباعدة لكنها كلها تدور حول فكرة الصيام كحركة روحية.

     
     الصيام حركة تحرر: من وجهة نظري فأن الصيام هو حركة تحرر يقوم بها الإنسان بإرادة حرة باحثاً عن حرية داخلية حقيقية أمام غريزة الأكل والشرب. فلا يعود بعد عبداً للطعام، فيكون هو العامل الذي يتخذ له قراراته ولكن يكون هو سيد الطعام، ويدرك من خلال مسيرة صيامه أن الحياة هي أهم من الطعام، وأن اعتمادنا على الطعام لنحيا هي الخدعة لأن حياتنا يجب أن تبنى على اعتمادنا على الله وحده بشكل أساسي. فأهم ثمار الصيام الحقيقي ألا يصبح اهتمام الإنسان بما يأكل ويشرب اهتمام جوهري ولكنه اهتمام ثانوي، يتدرج في بعض الحالات الروحية الأسمى إلى اختفاء آي نوع من أنواع الاهتمام فيأكل الإنسان ما يقدم له سعيداً وفرحاً بعطاء الله لهذا اليوم. هل نعيش أو نحاول أن نعيش مثل هذه الحرية في أوقات صيامنا سواءً كنا مسلمين أو مسيحيين، أم أن أوقات الصيام لدينا تتحول بصورة أو بأخرى عبودية أعمق للطعام، فنجد المسيحيين يبدءون في البحث عن الجينة الصيامي واللحمة الصيامي وما إلى ذلك من اختراعات حتى نكون متمسكين بحرفية القانون متناسين جوهر الحركة، ونجد على المستوى الإسلامي اهتمام كبير بتحضير مائدة الإفطار أو السحور غالباً ما تتعدى وجبات الطعام العادية بكثير.

     
     الصيام حركة مشاركة: في الصيام نكون كلنا مدعوون لنتقاسم خبزنا مع الأخر، مع الأخر الجائع والباحث عن الطعام دائماً، نشاركه خبزنا بعد أن نكون قد شاركناه جوعه ولمسنا شعوره وألمه وأدركتاه. بالفعل هذا أكثر شيء يؤثر في خلال شهر رمضان وأكثر شيء أنتظر رؤيته من السنة للأخرى، تلك الموائد التي يقوم بها بعض الأشخاص للفقراء وأحلم أن أرى تلك الموائد بتشاركها الغني والفقير معاً كلهم يأكلون على مائدة واحدة ,اعتقد أن هذا بالفعل يتم في كثير من الأماكن.

     
     الصيام حركة حب: الصيام في عمق أعماقه هو حركة حب تبدو للبعض في ظاهرها كذبيحة يقدمها الإنسان لله لكن أنا أختلف مع هذا المفهوم كلياً، فالصيام هي حركة حب داخلية تساعد بعض، بل وكثير من الناس على الاتحاد بالله، وبالتالي بكل العالم من حولنا، الصائم منه وغير الصائم فلا نعود بعد نأخذ منبر القضاة ولكن نصير أكثر أحساساً وشعوراً بكل من حولنا. أنا شخصياً أجد صعوبة في الصلاة عندما تكون معدتي ممتلئة عن أخرها، أشعر بثقل داخلي وبأ لتساقي بالأرض، أشعر بارتفاع أكثر وبمشاعر حرة حساسة أكثر وبانسحاق داخلي أكثر كلما كانت معدتي غير ممتلئة.

     
     أود أن أعترف أني لم أصل بعد إلى شكل الصيام الذي يجعلني أعيش هذه المفاهيم بعمقها فتصير دائمة معي طول العام وليس لفترة محدودة. ولكني سوف أظل أرنو نحو هذا المفهوم للصيام.




كل سنة وكلكم طيبين